ابن الأثير

68

الكامل في التاريخ

وكان هو لا مال [ 1 ] له ، إنّما يخرج ما يصل إليه من دخل البلاد أوّلا بأوّل . فلمّا اجتمع عنده من المال مائة ألف دينار جمع الأمراء واستشارهم ، فأشاروا بأن لا يرسل شيئا حتّى يعود فيستحلفهم على إطلاق أصحابه ، وأن يضمن الداويّة ذلك ، لأنّهم أهل تديّن يرون الوفاء . فراسلهم صلاح الدين في ذلك ، فقال الداويّة : لا نحلف ولا نضمن لأنّنا نخاف غدر من عندنا ، وقال ملوكهم : إذا سلّمتم إلينا المال والأسرى والصليب فلنا الخيار فيمن عندنا ، فحينئذ علم صلاح الدين عزمهم على الغدر ، فلم يرسل إليهم شيئا ، وأعاد الرسالة إليهم ، وقال : نحن نسلّم إليكم هذا المال والأسرى والصليب ، ونعطيكم رهنا على الباقي ، وتطلقون أصحابنا ، وتضمن الداويّة الرهن ، ويحلفون على الوفاء لهم ، فقالوا : لا نحلف ، إنّما ترسل إلينا المائة ألف دينار التي حصّلت ، والأسرى ، والصليب ، ونحن نطلق من أصحابكم من نريد ونترك من نريد حتّى يجيء باقي المال ، فعلم الناس حينئذ غدرهم ، وإنّما يطلقون غلمان العسكر والفقراء والأكراد ومن لا يؤبه له « 1 » ، ويمسكون عندهم الأمراء وأرباب الأموال ، ويطلبون منهم الفداء ، فلم يجبهم السلطان إلى ذلك . فلمّا كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب ، ركب الفرنج ، وخرجوا إلى ظاهر البلد بالفارس والراجل ، وركب المسلمون إليهم وقصدوهم ، وحملوا عليهم ، فانكشفوا عن موقفهم « 2 » ، وإذا أكثر من كان عندهم من المسلمين قتلى قد وضعوا فيهم السيف وقتلوهم واستبقوا الأمراء والمقدّمين ومن كان له مال ، وقتلوا من سواهم من سوادهم وأصحابهم ومن لا مال له ، فلمّا رأى صلاح الدين ذلك تصرّف في المال الّذي كان جمعه ، ورد الأسرى والصليب إلى دمشق .

--> [ 1 ] - الأمان . ( 1 ) . بهم . B . لا يؤبه به . A ( 2 ) . موضعهم . B